الشنقيطي

114

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

قال مقيده عفا اللّه عنه : المراد بالمثلية في الآية التقريب ، وإذا فنوع المماثلة قد يكون خفيا لا يطلع عليه إلا أهل المعرفة والفطنة التامة ، ككون الشاة مثلا للحمامة لمشابهتها لها في عب الماء والهدير . وإذا عرفت التحقيق في الجزاء بالمثل من النعم ، فاعلم أن قاتل الصيد مخير بينه ، وبين الإطعام ، والصيام ، كما هو صريح الآية الكريمة ، لأن « أو » حرف تخيير ، وقد قال تعالى : أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً [ المائدة : 95 ] ، وعليه جمهور العلماء . فإن اختار جزاء بالمثل من النعم ، وجب ذبحه في الحرم خاصة ، لأنه حق لمساكين الحرم ، ولا يجزئ في غيره كما نص عليه تعالى بقوله : هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ [ المائدة : 95 ] والمراد الحرم كله ، كقوله : ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ( 33 ) [ الحج : 33 ] مع أن المنحر الأكبر مني ، وإن اختار الطعام ، فقال مالك : أحسن ما سمعت فيه ، أنه يقوم الصيد بالطعام ، فيطعم كل مسكين مدا ، أو يصوم مكان كل مد يوما . وقال ابن القاسم عنه : إن قوّم الصيد بالدراهم ، ثم قوّم الدراهم بالطعام ، أجزأه . والصواب الأول ؛ فإن بقي أقل من مد تصدق به عند بعض العلماء ، وتممه مدا كاملا عند بعض آخر ، أما إذا صام ، فإنه يكمل اليوم المنكسر بلا خلاف . وقال الشافعي : إذا اختار الإطعام ، أو الصيام ، فلا يقوم الصيد الذي له مثل ، وإنما يقوم مثله من النعم بالدراهم ، ثم تقوم الدراهم بالطعام ، فيطعم كل مسكين مدا ، أو يصوم عن كل مد يوما ، ويتمم المنكسر . والتحقيق أن الخيار لقاتل الصيد الذي هو دافع الجزاء . وقال بعض العلماء : الخيار للعدلين الحكمين ، وقال بعضهم : ينبغي للمحكمين إذا حكما بالمثل أن يخيرا قاتل الصيد بين الثلاثة المذكورة . وقال بعض العلماء : إذا حكما بالمثل لزمه ، والقرآن صريح في أنه لا يلزمه المثل من النعم ، إلا إذا اختاره على الإطعام والصوم ، للتخيير المنصوص عليه بحرف التخيير في الآية . وقال بعض العلماء : هي على الترتيب ، فالواجب الهدي ، فإن لم يجد فالإطعام ، فإن لم يجد فالصوم ، ويروى هذا عن ابن عباس ، والنخعي وغيرهما ، ولا يخفى أن في هذا مخالفة لظاهر القرآن ، بلا دليل . وقال أبو حنيفة : يصوم عن كل مدين يوما واحدا اعتبارا بفدية الأذى ، قاله القرطبي . واعلم أن ظاهر هذه الآية الكريمة ، أنه يصوم عدل الطعام المذكور ، ولو زاد الصيام عن شهرين ، أو ثلاثة .